أبي حيان الأندلسي

8

البحر المحيط في التفسير

النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ : هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات ، فإنها نزلت بالمدينة ، وهي فإن كنت في شك إلى آخرهن ، قاله ابن عباس . وقال الكلبي : إلا قوله ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به فإنها نزلت في اليهود بالمدينة . وقال قوم : نزل من أولها نحو من أربعين آية بمكة ، ونزل باقيها بالمدينة . وقال الحسن وعطاء وجابر : هي مكية وسبب نزولها : أنّ أهل مكة قالوا : لم يجد اللّه رسولا إلا يتيم أبي طالب فنزلت . وقال ابن جريج : عجبت قريش أن يبعث رجل منهم فنزلت . وقيل : لما حدثهم عن البعث والمعاد والنشور تعجبوا . ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما أنزل وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ « 1 » وذكر تكذيب المنافقين ثم قال : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ « 2 » وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أتبع ذلك بذكر الكتاب الذي أنزل ، والنبي الذي أرسل ، وأن ديدن الضالين وأحد متابعيهم ومشركيهم في التكذيب بالكتب الإلهية وبمن جاء بها ، ولما كان ذكر القرآن مقدّما على ذكر الرسول في آخر السورة ، جاء في أول هذه السورة كذلك فتقدم ذكر الكتاب على ذكر الرسول ، وتقدم ما قاله المفسرون في أوائل هذه السورة المفتتحة بحروف المعجم ، وذكروا هنا أقوالا عن المفسرين منها : أنا اللّه أرى ، ومنها أنا اللّه الرحمن ، ومنها أنه يتركب منها ومن حم ومن نون الرحمن . فالراء بعض حروف الرحمن مفرقة ، ومنها أنا الرب وغير ذلك . والظاهر أن تلك باقية على موضوعها من استعمالها لبعد المشار إليه . فقال مجاهد وقتادة : أشار بتلك إلى الكتب المتقدمة من التوراة والإنجيل والزبور ، فيكون الآيات القصص التي وصفت في تلك الكتب . وقال الزجاج : إشارة إلى آيات القرآن التي جرى ذكرها . وقيل : إشارة إلى الكتاب المحكم الذي هو محزون مكتوب عند اللّه ، ومنه نسخ كل كتاب كما قال : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ « 3 » وقال : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ « 4 » وقيل : إشارة إلى الراء وأخواتها من حروف المعجم ، أي تلك الحروف المفتتح بها السور وإن قربت ألفاظها فمعانيها بعيدة المنال . وهي آيات الكتاب أي الكتاب بها يتلى ، وألفاظه إليها ترجع ذكره ابن الأنباري . وقيل : استعمل تلك بمعنى هذه ، والمشار إليه حاضر قريب قاله ابن عباس ، واختاره أبو عبيدة . فقيل : آيات القرآن . وقيل : آيات السور التي تقدّم ذكرها في

--> ( 1 ) سورة التوبة : 9 / 124 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 128 . ( 3 ) سورة البروج : 85 / 22 . ( 4 ) سورة الزخرف : 43 / 4 .